الشيخ محمد هادي معرفة
104
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
لكن التاريخ يشهد بوجود فرقة أو فرق من المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون بأُلوهيّتها إلى جنب أُلوهيّة المسيح : يقول عنهم ابنالبطريق - الطبيب المؤرّخ المسيحي ( 263 - 328 ه / 877 - 940 م ) : « 1 » « وكانوا مختلفين في الآراء والأديان . فمنهم من كان يقول : إنّ المسيح وامّه إلهان من دون اللّه . وهم « البربرانيّة » . . . ويسمّون « الريمتيين » ( المريمانيّة ) . ومنهم من كان يقول : إنّ المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها . وهي مقالة « سابليوس » وشيعته . ومنهم من كان يقول : لم تحبل به مريم تسعة أشهر ، وإنّما مرّ في بطنها كما يمرّ الماء في الميزاب ، لأنّ الكلمة دخلت في اذنها وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها . وهي مقالة « إليان » وأشياعه . ومنهم من كان يقول : إنّ المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منّا في جوهره ، وأنّ ابتداء الابن من مريم ، وأنّه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الإنسي ، صحبته النعمة الإلهيّة ، وحلّت فيه بالمحبّة والمشيئة ، ولذلك سمّي « ابن اللّه » . ويقولون : إنّ اللّه جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد . ويسمّونه بثلاثة أسماء ، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس . وهي مقالة « بولس الشمشاطي » بطريرك أنطاكيّة وأشياعه وهم « البوليقانيّون » . ومنهم من كان يقول : إنّهم ثلاثة آلهة لم تزل : صالح وطالح وعدل بينهما ، وهي مقالة « مرقيون » وأصحابه ، وزعموا أنّ « مرقيون » هو رئيس الحواريّين وأنكروا بطرس . ومنهم من كان يقول بأُلوهيّة المسيح . وهي مقالة « بولس » الرسول ومقالة الثلاثمأة وثمانية عشر أُسقفا . . . ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام 325 ميلاديّة « مجمع نيقيّة » عند الملك « قسطنطين » وبدعوة منه ، فاجتمع ألفان وثمانية وأربعون أُسقفا ، ودارت البحوث ، وقد اختار الإمبراطور الروماني ( قسطنطين ) - الذي كان قد دخل في النصرانيّة من الوثنية منذ
--> ( 1 ) - هو سعيد بنالبطريق من أهل مصر . ولد بفسطاط وأقيم بطريركا في الإسكندريّة وسمّي أنتيشيوس ( Entychius ) سنة 321 ه . ق . له كتب في الطب والتاريخ ولا سيما تاريخ المسيحيّة . كتب عن فرق النصارى وما بينهم من شقاق وخلاف . راجع : الوافي بالوفيات للصفدي ( 764 ه ) ، ج 15 ، ص 127 ، رقم 4858 ؛ والأعلام للزركلي ، ج 3 ، ص 144 .